عبد العزيز عتيق
48
علم البديع
وحقيقته أن يبني الشاعر البيت من شعره على قافية أرصدها له ، أي أعدها في نفسه ، فإذا أنشد صدر البيت عرف ما يأتي به في قافيته . وعنده أن ذلك من محمود الصنعة ، لأن خير الكلام ما دل بعضه على بعض . أما التوشيح عند ضياء الدين فمعناه أن يبني الشاعر أبيات قصيدته على بحرين مختلفين ، فإذا وقف من البيت على القافية الأولى أي الداخلية كان شعرا مستقيما من بحر وقافية ، وإذا أضاف إلى ذلك ما بنى عليه شعره من القافية الأخرى ، كان أيضا شعرا مستقيما من بحر آخر وقافية أخرى ، وصار ما يضاف إلى القافية الأولى للبيت كالوشاح . فمن ذلك قول بعضهم : اسلم ودمت على الحوادث مارسا * ركنا ثبير أو هضاب حراء « 1 » ونل المراد ممكنا منه على . . . * رغم الدهور وفز بطول بقاء فهذان البيتان من بحر الكامل التام والقافية هي الهمزة ، ولكن إذا حذفنا من البيت الأول « أو هضاب حراء » ومن الثاني « وفز بطول بقاء » ظل البيتان قائمين وتحولا من بحر الكامل التام إلى بحر آخر هو مجزوء الكامل ، وأصبحت صورتهما هكذا : اسلم ودمت على الحوا * دث مارسا ركنا ثبير ونل المراد ممكنا * منه على رغم الدهور ويعقب ضياء الدين على هذا النوع بأنه لا يستعمل إلا متكلفا عند تعاطي التمكن من صناعة النظم ، وأن حسنه منوط بما فيه من الصناعة لا بما فيه من البراعة .
--> ( 1 ) ثبير : الجبل المعروف عند مكة . حراء جبل بمكة فيه غار ، وكان الرسول ، قبل أن يوحى إليه ، يأتيه ويخلو بغاره فيتحنث فيه ، أي يتعبد للّه .